ملاذ الإبداع وواحة الوفاء، هكذا يمكن أن نصف دار إقامة كبار الفنانين التي تحتفل هذه الأيام بعامها الثالث من العطاء والرحمة والجمال، ففي يوم الأحد المقبل، الموافق ١٩ يوليو، تكتمل ثلاثة أعوام على انطلاق هذا الصرح الإنساني العظيم الذي يمثل علامة فارقة في تاريخ الحركة الفنية والإنسانية بمصر والوطن العربي، إنها خطوة جبارة جاءت لتصون كرامة المبدع المصري، وتمنحه ملاذا هادئا يليق بما قدمه من سنوات عمره في سبيل إسعاد الجماهير وصياغة وجدان الأمة، ولقد كانت لي فرصة زيارة هذه الدار الرائعة والراقية لأكثر من مرة، ورأيت بعيني كيف تحولت جدرانها إلى محراب دافئ يفيض بالحب والتقدير، بعيدا عن صخب الحياة وجحود الأيام.
لم يكن هذا الإنجاز ليرى النور لولا تلاقي قلوب صادقة وأياد بيضاء آمنت بقدسية الفن ورسالته النبيلة، وفي مقدمة هؤلاء يأتي الداعم الأكبر، صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي، عضو المجلس الأعلى لاتحاد دولة الإمارات العربية المتحدة وحاكم الشارقة، هذا الرجل الاستثنائي الذي يعشق مصر وفنها وثقافتها، لم يتردد لحظة واحدة في تمويل بناء هذا الصرح بالكامل على نفقته الخاصة، بل وتجاوز الكرم حدود التشييد والبناء عندما قرر تخصيص وديعة مالية كبرى تضمن تشغيل الدار وتقديم كافة خدماتها بالمجان لكبار المبدعين مدى الحياة، إن موقف حاكم الشارقة يبرهن من جديد على عمق الروابط الإنسانية والثقافية التي تجمعه بوطنه الثاني مصر، ويؤكد أن رعاية المبدع العربي هي رسالة قومية تتوارثها الأجيال.
وعلى الجانب الآخر من معادلة النجاح، يقف خلف هذا الصرح مقاتل حقيقي وصديق عزيز نكن له كل الحب والتقدير، وهو الفنان الدكتور أشرف زكي، نقيب المهن التمثيلية، لقد كان هذا المشروع حلما يراود النقابة لعقود طويلة، لكن أشرف زكي بعزيمته الصلبة ورؤيته الثاقبة استطاع تذليل كافة العقبات الإدارية والقانونية حتى رأينا هذا الحلم واقعا ملموسا على الأرض، إن أشرف زكي يثبت يوما بعد يوم أنه ليس مجرد نقيب إداري، بل هو أب روحي وأخ حنون لكل فنان مصري، يسعى لخدمتهم وبث الطمأنينة في نفوسهم، ويرسخ عبر هذه الدار مبدأ الوفاء للرواد الذين قدموا زهرة شبابهم للفن والوطن.
ولكي يكتمل هذا البناء الإنساني، كان لا بد من وجود إدارة واعية وقلب نابض بالمحبة يشرف على تفاصيله اليومية، وهنا يأتي الدور المحوري والجهد العظيم الذي يقوم به الصديق العزيز والفنان الكبير محمود عبد الغفار، مدير الدار، إن محمود عبد الغفار لا يدير هذا الصرح بعقلية الموظف أو المدير الإداري التقليدي، بل يقوده بقلب المبدع وروح الصديق الوفي لزملائه، يسهر على راحتهم، ويستمع إلى همومهم، ويحرص على أدق التفاصيل لضمان راحتهم النفسية والجسدية، لقد وهب وقته وجهده لخدمة كبار الفنانين، مبرهنا على أن إدارة مثل هذه الصروح تحتاج أولا وأخيرا إلى إنسانية دافقة وإخلاص نادر، وهو ما يتجسد في شخصه الكريم بكل جلاء.
وخلال زياراتي المتكررة للدار، لفت انتباهي بشدة ذلك المستوى الرفيع من الخدمة الفندقية الراقية التي تقدم لكبار الفنانين المقيمين بها، إن الدار لا تقدم مجرد إقامة عادية، بل توفر رعاية شاملة ومتكاملة تلبي احتياجات الجسد والروح معا، تبدأ هذه الرعاية بالمنظومة الصحية المتقدمة التي تشمل إشرافا طبيا مستمرا على مدار الساعة، وتوفير كافة الأدوية والرعاية العلاجية المتخصصة لكل نزيل بشكل فردي ودقيق، وتتكامل هذه الرعاية مع الاهتمام بالجانب الرياضي والبدني من خلال برامج ونشاطات رياضية ورحلات مخصصة لكبار السن للحفاظ على لياقتهم وحيويتهم، فضلا عن المساحات الخضراء والحدائق المجهزة للاستجمام واستنشاق الهواء النقي.
أما الرعاية الاجتماعية والنفسية بالدار فهي قصة نجاح أخرى تثير الإعجاب والاحترام، فالدار تحرص على كسر طوق العزلة عن النزلاء من خلال تنظيم الفعاليات الثقافية والاجتماعية والترفيهية المستمرة منها حضور العروض المسرحية، وتوفير مكتبة غنية وصالات مهيأة تجمع المبدعين في حوارات حميمية تسترجع ذكريات المجد والإبداع، ولقد جمعتني شخصيا خلال زياراتي جلسات دافئة وممتعة مع الفنانين الكبار المقيمين في الدار، ومنهم الفنان الكبير القدير نبيل نور الدين، حيث تبادلنا الأحاديث التي تفيض بذكريات زمن الفن الجميل، وشعرت بمدى سعادتهم ورضاهم عن هذه المعاملة الكريمة والتقدير الذي يحيط بهم من كل جانب في هذا المكان الاستثنائي.
إن هذه الأجواء الأسرية لا تقتصر على النزلاء والإدارة فحسب، بل تمتد لتصنع جسرا متصلا من المودة والوفاء يربط بين مختلف الأجيال الفنية، إذ يحرص كبار نجوم الفن في مصر على زيارة الدار بصفة مستمرة للاطمئنان على أساتذتهم وزملائهم ومشاركتهم الأوقات الجميلة، ولقد تابعت بنفسي خلال زياراتي الفنان الكبير النائب ياسر جلال، والفنان الكبير محمود حميدة، وغيرهم من كبار النجوم والرموز الذين يحرصون على التواجد بين جدران هذا الصرح، ليؤكدوا أن الوفاء ليس مجرد شعار، بل هو سلوك يومي يعبر عن نبل وأصالة الأسرة الفنية المصرية.
إن كل ركن في هذه الدار، التي تعود ملكيتها لنقابة المهن التمثيلية بفضل جهود رجالاتها المخلصين وبدعم كامل من الدولة المصرية، ينبض بالحياة والاحترام والتقدير، إنها بحق واحة أمان ترسم البسمة على وجوه من أسعدونا طوال عقود، وتبعث برسالة بليغة بمناسبة عامها الثالث مفادها أن مصر لا تنسى أبدا مبدعيها، وأن القوة الناعمة ستظل دائما محل رعاية وإعزاز وتكريم تحت ظل قلوب تنبض بالإنسانية والوفاء.
مصطفى البلك
[email protected]